سيد محمد طنطاوي
58
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستدراج : استنزال الشيء من درجة إلى أخرى ، والانتقال به من حالة إلى أخرى ، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا : التمهل في إنزال العقوبة . والإملاء : الإمداد في الزمن ، والإمهال والتأخير ، مأخوذ من الملاوة والملوة ، وهي الطائفة الطويلة من الزمن . والملوان . الليل : والنهار ، والمراد به هنا : إمدادهم بالكثير من النعم . . يقال : أملى فلان لبعيره ، إذا أرخى له في الزمام ، ووسع له في القيد ، ليتسع المرعى . والكيد كالمكر ، وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره ، بحيث ينخدع الممكور به ، فلا يفطن لما يراد به ، حتى يقع عليه ما يسوؤه . وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه ، وكإمدادهم بالنعم . ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين : تسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من أعدائه . والمعنى : إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين ، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكل أمرهم إلىّ ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك ، ولا تشغل بالك بهم . فإني سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ، بأن أسوق لهم النعم ، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج ، ثم إني أمد لهم في أسباب الحياة الرغدة ، ليزدادوا إثما ، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وهذا لون من ألوان كيدي الشديد القوى ، الذي لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء . . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا . والْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن اللَّه ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » . وقال الحسن البصري : كم من مستدرج بالإحسان ، وكم من مفتون بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه . قال الآلوسي : وقوله * ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ . . ) * استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا .
--> ( 1 ) سورة الأنعام الآيتان 44 ، 45 .